عندما تظهر نتيجة فحص جيني تربط شخصًا معاصرًا بهيكل عظمي عاش قبل آلاف السنين، يبدو الإغراء كبيرًا لتحويل هذه النتيجة إلى قصة مكتملة عن الأصل والهوية والانتماء. غير أن المسافة بين التشابه الوراثي والهوية الثقافية أكثر تعقيدًا مما توحي به نتائج المختبر.
هذه القضية كانت من أبرز المسائل التي ناقشها الأستاذ حيدر الياسري، الباحث في علم الجينوم السكاني والأنثروبولوجيا الفيزيائية، خلال محاضرته عن الحمض النووي الذكري للهياكل العظمية في الهلال الخصيب، من العصر النطوفي وصولًا إلى العصر الإسلامي.
قدّم الياسري خلال المحاضرة قراءة علمية تحاول الفصل بين مفهومين كثيرًا ما يجري الخلط بينهما في النقاشات العامة: خط النسب البيولوجي الذي تكشفه الجينات، والهوية الثقافية التي يصنعها التاريخ واللغة والمجتمع والدين والبيئة.
فالكروموسوم الذكري يستطيع تتبع سلسلة الآباء المباشرة، وتحديد مجموعة من الرجال الذين يلتقون عند جد مشترك، لكنه لا يستطيع بمفرده القول إن هذا الجد كان عربيًا أو سومريًا أو فينيقيًا أو منتميًا إلى قبيلة بعينها.
ماذا يخبرنا الكروموسوم الذكري؟
ينتقل الكروموسوم «Y» من الأب إلى أبنائه الذكور، وتظهر عليه مع مرور الأجيال طفرات صغيرة تتراكم وتتحول إلى علامات تميز كل فرع عن غيره.
ومن خلال ترتيب هذه الطفرات يستطيع العلماء بناء مشجرات وراثية تحدد قرب الأفراد من بعضهم، وتقدّر المدة التي تفصلهم عن جدهم الجامع.
وأوضح حيدر الياسري أن تراكم الطفرات يعمل بطريقة تشبه الساعة البيولوجية؛ فكلما زاد عدد الاختلافات المتراكمة بين فرعين، كان الجد الذي يجمعهما أقدم في الزمن.
لكن هذه الساعة لا تعطي الباحث اسم الجد أو لغته أو الثقافة التي عاش داخلها، بل تحدد موقعه التقريبي على خط زمني وراثي. وهنا يبدأ دور الأدلة الأخرى.
فالتحور الجيني يثبت وجود صلة أبوية، لكنه لا يتحول إلى هوية ثقافية إلا حين يرتبط بعينة أثرية موثقة، عُثر عليها في سياق واضح، وأُرخت بطريقة علمية، ودُرست الأدوات واللقى وطريقة الدفن المصاحبة لها.
الثقافة قد تتغير.. والسلالة تبقى
من أبرز الأفكار التي عرضها الأستاذ حيدر الياسري أن المجتمعات لا تظل طوال تاريخها محتفظة باللغة أو العادات أو التصنيف الثقافي نفسه.
قد تتبنى مجموعة بشرية لغة جماعة أخرى، أو تدخل في فضاء ديني وسياسي جديد، أو تتغير عاداتها نتيجة الاختلاط والهجرة، بينما يستمر جزء كبير من خطوطها الأبوية القديمة.
وضرب الياسري مثالًا بالأكراد، موضحًا أن التصنيف المبني على القرب اللغوي قد يضعهم بجوار الجماعات الإيرانية، في حين تكشف دراسة بعض الخطوط الجينية الذكرية عن جذور عميقة داخل منطقة الهلال الخصيب.
ولا يقدم هذا المثال حكمًا على هوية المجتمع، وإنما يبيّن أن اللغة لا تعكس دائمًا القصة البيولوجية الكاملة، مثلما لا تستطيع الجينات وحدها تفسير الانتماء الثقافي الحديث.
فالإنسان قد يرث كروموسومه من سلسلة طويلة من الآباء، لكنه يرث لغته وعاداته من المجتمع الذي ينشأ داخله، وقد يتغير هذا المجتمع مرات عديدة بينما يظل الخط الأبوي مستمرًا.
لماذا لا تمثل السلالة قبيلة كاملة؟
تحظى الفحوص الجينية باهتمام كبير في المجتمعات التي تحتفظ بأنساب قبلية وعشائرية، إلا أن حيدر الياسري حذّر في طرحه من التسرع في إعلان أن تحورًا واحدًا يمثل قبيلة كاملة أو جماعة ثقافية بعينها.
فقد تضم القبيلة الواحدة أكثر من خط أبوي نتيجة التحالفات والمصاهرة والدخول في الجماعات عبر القرون، كما قد يوجد التحور نفسه بين مجموعات تحمل أسماء وهويات مختلفة.
ولذلك لا يكفي أن يظهر عدد كبير من أفراد قبيلة على فرع وراثي واحد لإغلاق باب البحث. بل ينبغي مقارنة النتائج بالمشجرات الموثقة والتوزيع الجغرافي والتواريخ المعروفة والنتائج التي تظهر لدى الجماعات المجاورة.
كما يجب مراعاة احتمال أن يكون أحد الرجال في الماضي قد ترك عددًا كبيرًا من الأبناء، بينما انقطعت خطوط رجال آخرين، فتوسع فرعه داخل المجتمع لأسباب ديموغرافية لا علاقة لها بكونه ممثلًا وحيدًا لهوية الجماعة.
وهنا يصبح التحليل الإحصائي ضرورة، لا خطوة إضافية يمكن تجاوزها.
العظام تتحدث من خلال سياقها
أكد الأستاذ حيدر الياسري أن ربط السلالات بالثقافات القديمة يبدأ من الموقع الأثري، لا من الرغبة في إثبات انتماء معين.
فحين يُعثر على هيكل في مقبرة مرتبطة بالفينيقيين مثلًا، وتدعّم اللقى الأثرية وطريقة الدفن هذا التصنيف، يمكن وصف العينة بأنها تعود إلى شخص عاش داخل السياق الثقافي الفينيقي.
لكن ذلك لا يعني تلقائيًا أن كل شخص معاصر يشترك معه في أحد التحورات ينتمي ثقافيًا إلى الفينيقيين، وإنما يعني فقط أن خطيهما الأبويين يلتقيان عند جد عاش في فترة معينة.
وينطبق الأمر نفسه على الهياكل التي تعود إلى العصر الإسلامي. فاتجاه الدفن نحو القبلة، ووجود الكفن، وطبيعة القبر، والتأريخ بالكربون المشع، كلها عناصر تتيح للباحث تصنيف السياق الذي دُفن فيه الشخص، قبل مقارنة حمضه النووي بالعينات الأخرى.
بهذه الطريقة لا تُستخدم الجينات بديلًا عن علم الآثار، بل تصبح أداة تعمل إلى جواره.
عندما تصحح الجينات الروايات القديمة
اعتمد كثير من الدراسات القديمة على اللغة والتشابه الثقافي لتحديد القرابة بين الشعوب. فإذا تشابهت الأدوات أو العادات أو المفردات، افترض الباحثون وجود أصل مشترك أو اتصال سكاني مباشر.
لكن نتائج الحمض النووي القديم أظهرت أن التشابه الثقافي قد ينتقل من دون انتقال واسع للسكان، كما أثبتت في حالات أخرى أن انتشار ثقافة معينة صاحبه بالفعل انتقال جماعات بشرية.
ومن الأمثلة التي ناقشها حيدر الياسري انتشار الزراعة من مناطق الهلال الخصيب باتجاه أوروبا، حيث ساعدت البيانات الجينية في إظهار أن الأمر لم يكن انتقالًا للأفكار وحدها، بل صاحبته هجرات بشرية حملت معها المعرفة الزراعية.
وبذلك أصبح من الممكن التمييز، بدرجة أفضل، بين انتشار الثقافة نتيجة التعلم والتبادل، وانتشارها نتيجة انتقال السكان.
الجينات دليل وليست حكمًا نهائيًا
تكمن خطورة القراءة غير العلمية للحمض النووي في تحويل النتائج إلى أداة للمفاضلة بين المجتمعات، أو استخدامها في إثبات روايات سياسية وقومية جاهزة.
غير أن طرح الأستاذ حيدر الياسري أعاد النتائج إلى حدودها العلمية؛ فالتحليل الجيني لا يمنح الإنسان قيمة أعلى أو أدنى، ولا يثبت نقاء جماعة بشرية، ولا يحوّل التحور إلى وثيقة ملكية حصرية لحضارة أو أرض.
إنه يكشف خطًا واحدًا فقط من خطوط النسب الكثيرة التي يحملها الإنسان. فبعد عشرة أجيال يكون لكل شخص عدد كبير من الأسلاف، بينما يمثل الكروموسوم الذكري سلسلة أبوية واحدة فقط بينهم.
كما أن المشجرات الجينية تتغير باستمرار مع ظهور عينات جديدة، وقد يتغير الموقع الجغرافي المرجح لأحد الفروع إذا توسعت قاعدة الفحوص أو ظهرت عينة أثرية أقدم.
ومن هنا جاءت القيمة الأساسية لمحاضرة حيدر الياسري: لم تقدم الجينات باعتبارها إجابة سحرية عن سؤال «من نحن؟»، بل بوصفها دليلًا علميًا ينبغي أن يُقرأ إلى جانب الآثار والتاريخ واللغة.
فالجينات تستطيع أن تخبرنا بأن شخصين التقيا عند جد عاش قبل آلاف السنين، وأن جماعة انتقلت من منطقة إلى أخرى، لكنها لا تستطيع وحدها أن تروي ما كان يؤمن به ذلك الجد، أو اللغة التي تحدث بها، أو الاسم الذي أطلقه على نفسه.
بين النسب والهوية مساحة واسعة يصنعها الإنسان، وتكتب تفاصيلها الحضارة لا المختبر وحده.




