الكتابة في الأردن القديم: حين بدأ الإنسان يدوّن الاقتصاد والإدارة والذاكرة

( ملخص من محاضرة الكتابة في الأردن القديم - أ.د عمر الغول) إن تاريخ الكتابة في الأردن القديم لا يبدأ بفيض من النصوص، بل بشواهد قليلة لكنها عميقة الدلالة. فمن رقيم طيني في طبقة فحل، إلى رسائل موجهة لل

أ.د عمر الغول

أ.د عمر الغول

بروفيسور

١٠ مايو ٢٠٢٦
3 دقائق قراءة
الكتابة في الأردن القديم: حين بدأ الإنسان يدوّن الاقتصاد والإدارة والذاكرة
ليست الكتابة مجرد حروف تُنقش على حجر أو تُرسم على رقيم طيني؛ إنها في جوهرها محاولة بشرية مبكرة لضبط الحياة وتنظيمها. ومن هنا تنطلق محاضرة الدكتور عمر الغول حول الكتابة في الأردن في العصور القديمة، واضعة سؤالًا أساسيًا أمام القارئ: متى نكتب؟ وماذا نكتب؟ ولماذا نكتب؟

البداية الكبرى: الكتابة بوصفها أداة اقتصادية

تعود بدايات الكتابة في العالم إلى جنوب العراق، في حدود منتصف الألف الرابعة قبل الميلاد، حيث ظهرت أقدم الشواهد الكتابية على هيئة نصوص اقتصادية مرتبطة بالبضائع والأرقام. لم تكن الكتابة في بدايتها أدبًا ولا تاريخًا ولا دينًا، بل وسيلة لضبط المعاملات والإدارة.

ومع تعقد العمليات الاقتصادية، تعقدت الكتابة نفسها. فقد انتقلت من رموز تصويرية بسيطة إلى الكتابة المسمارية التي جمعت بين الصورة والمقطع. ومن العراق انتقلت الكتابة إلى مصر، لتصبح منطقتا العراق ومصر من أقدم مراكز التدوين في العالم القديم.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: إذا كانت الكتابة قد ارتبطت بالاقتصاد، فهل يعني ذلك أن كل مجتمع عرف التجارة عرف الكتابة بالضرورة؟

الأردن القديم: اقتصاد حاضر وكتابة غائبة أحيانًا

يقدّم الدكتور الغول مثالًا مهمًا من الأردن، وهو موقع خربة الزيرقون شمال شرقي إربد. فقد كانت هذه المدينة القديمة ذات أسوار ومعبد كبير ومبانٍ إدارية ونظام مائي وبوابات، ما يدل على وجود حياة اقتصادية وإدارية واضحة.

ومن المنطقي أن نفترض أن مدينة بهذا التنظيم احتاجت إلى التوثيق الكتابي. لكن الواقع الأثري لا يؤكد ذلك؛ إذ لم يُعثر فيها على نصوص مكتوبة. وهنا تظهر إحدى أفكار المحاضرة المهمة: ليست كل معاملة اقتصادية تستلزم كتابة بالضرورة.

فالبيع والشراء يمكن أن يجريا أحيانًا بالثقة والشهادة والمصافحة، كما أشار الدكتور الغول من خلال مثال معاصر من سوق الحلال، حيث تتم عمليات بيع بمبالغ كبيرة دون وثائق مكتوبة، اعتمادًا على الشهود والعرف.

ومع ذلك، فقد عُثر في خربة الزيرقون على أختام أسطوانية مزخرفة، وربما كانت هذه الأختام شكلًا بدائيًا من أشكال التوثيق، أو وسيلة للإشارة إلى الأشخاص أو المدن أو السلع.

أقدم شاهد كتابي في الأردن

إذا تركنا الأختام جانبًا، فإن أقدم شاهد واضح على الكتابة في الأردن جاء من موقع طبقة فحل في الأغوار الشمالية. فقد عُثر هناك على كسرتين من رقيمين طينيين مكتوبين باللغة الأكدية وبالخط المسماري، ويرجع تاريخهما إلى نحو 1550 قبل الميلاد.

وهذا يعني أن شواهد الكتابة في الأردن تأخرت عن بدايات الكتابة في جنوب العراق بنحو ألفي سنة. والأهم أن هذه الشواهد الأولى لم تكن مكتوبة بلغة محلية، بل بالأكدية، وهي لغة ارتبطت في ذلك العصر بالمراسلات والإدارة الدولية.

وتشير العلامات المتبقية على الكسرتين إلى صلة بتجارة القمح، ما يعيدنا مرة أخرى إلى العلاقة القديمة بين الكتابة والاقتصاد.

رسائل تل العمارنة: دبلوماسية مبكرة من فحل

من الموقع نفسه، أي طبقة فحل، ارتبط الأردن القديم برسائل تل العمارنة الشهيرة. فقد وُجدت رسالتان كتبهما أو كُتبتا باسم شخص يدعى موت بعل، ويصف نفسه بأنه ملك فحل.

كانت هاتان الرسالتان موجَّهتين إلى الفرعون المصري، ومكتوبتين باللغة الأكدية وبالخط المسماري، لأن الأكدية كانت في ذلك العصر لغة الخطاب الدولي في دوائر الحكم.

تناولت الرسالة الأولى تأمين قوافل مصرية متجهة إلى شمال شرقي سوريا، بينما تعلقت الثانية بالبحث عن شخص فارّ من السلطة المصرية. وعلى الرغم من أن موضوع الرسالتين إداري يومي، فإنهما تعدان من أقدم النصوص ذات الطابع الدبلوماسي المرتبطة بالأردن.

بين النصوص المفقودة والشواهد القليلة

تؤكد المحاضرة أن الحديث عن تاريخ الكتابة لا يقوم على ما كان موجودًا بالفعل فقط، بل على ما وصل إلينا منه. فقد يكون أهل الأردن كتبوا أكثر مما نعرف، لكن المواد التي كتبوا عليها ربما لم تحفظها الظروف الزمنية.

فقد تكون الكتابة جرت على الرق أو مواد عضوية أخرى اندثرت مع الزمن، أو ربما ظل جزء كبير من المعاملات قائمًا على العرف والشهادة دون تدوين.

وهكذا، تكشف بدايات الكتابة في الأردن عن مشهد معقد: مدن منظمة، اقتصاد قائم، شواهد كتابية قليلة، وأسئلة مفتوحة حول طرق التوثيق التي استخدمها الناس في حياتهم اليومية.