سيرة العلامة المنسية "إنزاك" لمحمود البقلاوة..امتداد بصري للإرث الدلموني

في معرضه الجديد إنزاك.. العلامات والرموز الدلمونية»، الذي افتتح مؤخرًا في أبعاد جاليري يواصل الفنان والباحث محمود عبد الصاحب البقلاوة اشتغاله على الإرث الدلموني مستحضرا عبر اللوحة والمنحوتة جانبا من

٦ يونيو ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
سيرة العلامة المنسية  "إنزاك" لمحمود البقلاوة..امتداد بصري للإرث الدلموني

في معرضه الجديد إنزاك.. العلامات والرموز الدلمونية»، الذي افتتح مؤخرًا في أبعاد جاليري يواصل الفنان والباحث محمود عبد الصاحب البقلاوة اشتغاله على الإرث الدلموني مستحضرا عبر اللوحة والمنحوتة جانبا من الذاكرة الحضارية الأقدم في الخليج العربي، وما تختزنه من رموز، وأختام، وكتابات ومعتقدات شكلت على مدى آلاف السنين جزءا من البنية الفكرية والجمالية للإنسان الدلموني.

ففي الأزمنة السحيقة، حين كانت مياه الخليج العربي جسرًا مائيا بين وادي الرافدين ووادي السند، وحين كانت أرض البحرين القديمة تشكل عقدة حضارية للشرق القديم، تشكلت دلمون كواحدة من أقدم البنى الحضارية التي أنتجت الإنسان، والرمز، والأسطورة والطقس والكتابة والتجارة والخيال الديني حضارة عُرفت بوفرة آثارها، وبما تختزنه من منظومة فكرية وجمالية انعكست في الأختام، والمدافن والمعابد، والفخاريات والرموز التي بقيت شاهدة على وعي إنساني مبكر، استطاع أن يختزل رؤيته للعالم في إشارات صغيرة كثيفة الدلالة.

والبحث في كيفية تحوله من كائن يمارس الحياة اليومية، لكائن يختزل العالم في علامة، والاعتقاد في رمز، والذاكرة في أثر صغير محفور على ختم، أو مشغول على فخارية، أو متجسد في هيئة ثور، أو تكوين نباتي أو طقس جنائزي.. ومن هذه الشواهد البصرية والرمزية، يعيد محمود  البقلاوة توظيف مفردات الإرث الدلموني داخل بناء تشكيلي يستحضر امتداد الحضارة، وأصداءها الفكرية والجمالية في فضاء اللوحة المعاصرة.

العلامة بوصفها وعيا حضاريا.

في هذا المعرض، تتحول العلامة الدلمونية لبنية فكرية محمود البقلاوة، الذي اشتغل طويلا على دراسة الأختام والكتابات المسمارية واللقى الأثرية، يتعامل مع الرمز كاختزال لوعي الإنسان القديم، ولهذا تتجاور في الأعمال إشارات متعددة، رؤوس الثيران الشخوص الخطوط المستوحاة من المسماريات الأختام الدائرية والعناصر النباتية، ضمن فضاءات لونية، يمنح اللوحة إحساسا بطبقات ؛وتكشف هذه الأعمال عن إدراك البقلاوة لكون الحضارات تقرأ عبر تفاصيلها الصغيرة، تلك العلامات التي كان الإنسان القديم يختزل فيها خوفه ومعتقده، وعلاقته بالطبيعة، وممارساته اليومية، فالأختام الدلمونية مثلاً، تحضر باعتبارها صفحات أنثروبولوجية، تكشف شكل المجتمع، وبنيته، ووعيه الرمزي، وأشكال تواصله مع العالم.

بين البحث الأثري والاشتغال التشكيلي.

لا تنفصل تجربة محمود  البقلاوة الفنية عن اشتغاله البحثي في التاريخ والتراث الدلموني، وهو ما يمنح أعماله خصوصية تقوم على المعرفة. فمنذ سنوات، يواصل إعادة قراءة دلمون عبر الكتب والمحاضرات وإعادة صناعة اللقى ودراسة الكتابات القديمة، وصولاً لاشتغاله على إعادة بعث القيثارة الدلمونية والذي انجزها في السنوات الماضية، ضمن اشتغال متكامل على

هذا العمق الحضاري، دفع الباحث الدكتور عبد العزيز صويلح في كتابه دلمون مملكة الحضارة»، للتأكيد بأن مملكة دلمون واحدة من أقدم وأعرق الحضارات في التاريخ وهي حضارة شكلت مركزا ثقافيا وروحيًا، امتلك خصوصيته وأنتج لغته البصرية، وفرادته الرمزية، ووعيه المتصل بالحياة والمقدس والطبيعة.

ومن هذا الإرث الحضاري، يستلهم البقلاوة أعمال معرضه مواصلا الاشتغال ما بدأه الفنان الراحل راشد العريفي على الموروث الدلموني، وما يتصل به من شواهد أثرية وعلامات ميثولوجية، ورموز بصرية، ضمن تجربة تشكيلية تنفتح على الزمن. التاريخ والأنثروبولوجيا، والبعد الميثولوجي، وتستعيد العالم الدلموني بكثافته الفكرية والروحية داخل فضاء اللوحة والمنحوتة المعاصرة.

إنزاك.. استدعاء المقدس الدلموني.

يحمل عنوان المعرض بعدًا دلاليا مستحضرًا إنزاك» الإله المرتبط بدلمون في النصوص المسمارية، كمركز رمزي العلاقة الإنسان الدلموني بالمقدس، وبالمخيلة الاعتقادية التي تشكلت في حضارات الخليج القديم، فذلك الإله الذي ارتبط بأرض الخليج، والخصب والطبيعة يحضر في اشتغالات البقلاوة كمحور بصري تتولد حوله العلامات والأختام، والإشارات والشخوص، ضمن تكوينات تستدعي سردية دلمونية متشظية تتكئ على الأثر، وتستعيد أصداءه داخل الاشتغال الفني.

لا تبدو الأعمال معنية بإعادة تمثيل الماضي على نحو توثيقي بقدر ما تنشغل بتفكيك البنية الرمزية التي أنتجها الإنسان الدلموني.

الإرث الدلموني.

هذا الاشتغال الفني والمعرفي والتجريبي، يتسرب بوضوح إلى اللوحات التي تبدو أحيانا كأنها خرائط رمزية لعالم دلموني متخيل أو كشواهد أثرية أعيد تشكيلها بصريا. كما تمنح الخلفيات اللونية، وتراكم الطبقات، والأثر الخشن لبعض الأعمال، إحساسًا بأن اللوحة ذاتها خرجت من طبقات الأرض، ومن الذاكرة السحيقة للحضارة .

ويبدو محمود  البقلاوة معنيا بإيجاد صلة معاصرة بين المتلقي والرمز الدلموني عبر تحريره من حضوره المتحفي الجامد، وإعادته للتداول البصري والفني كجزء من الهوية الثقافية والذاكرة الحضارية للبحرين والمنطقة.

دلمون فضاء الهوية.

تتقاطع اشتغالات المعرض مع مسار طويل في الحركة التشكيلية البحرينية، اتخذ من دلمون مصدرًا بصريا ومعرفيا، منذ تجارب الفنان العريفي، وصولا لاشتغالات أجيال لاحقة رأت في الرمزية الدلمونية فضاء لإعادة التفكير في الهوية والتاريخ والذاكرة الجمعية. غير أن تجربة البقلاوة تنحو نحو تعميق البعد البحثي لهذا الاشتغال عبر الارتكاز على المعطيات الأثرية، والاشتغال على المعتقد. والرمز واللغة البصرية التي أنتجتها دلمون كوعي ما يزال ممتداً في المخيلة المحلية، وفي الذاكرة الثقافية لهذه الأرض. وفي إنزاك.. العلامات والرموز الدلمونية، تبدو اللوحات وكأنها محاولة للعبور لذلك العالم القديم، للإنصات إلى ما بقي فيه من أسئلة  الإنسان الأول وهو يختزل العالم في رمز، ويحول أفكاره ومخاوفه وعلاقته بالمقدس والطبيعة، العلامات صغيرة بقيت آلاف السنين، وما تزال قادرة على استدعاء التأمل، والدهشة. وإعادة التفكير في المعنى الإنساني للحضارة.

اقرأ أيضاً

مقالات ذات صلة

من الخيمة إلى العمارة

١٩ يونيو ٢٠٢٦

من الخيمة إلى العمارة

يُعدّ تطور المساكن والمباني جزءًا أساسيًا من تاريخ الحضارة الإنسانية. فمنذ نحو 17 ألف عام، بدأت الأكواخ والخيام التي كان يستخدمها الرُحَّل تتطور تدريجيًا إلى مساكن أكثر ثباتًا واستقرارًا. ويرتبط هذا التحول، من بين عوامل أخرى، بتعلّم الإنسان الزراعة واستصلاح الحقول، الأمر الذي شجّعه على الاستقرار الدائم في مكان واحد، مما مهّد الطريق لنشوء القرى ثم المدن وتطور العمارة عبر العصور.

الكتابة في الأردن القديم: حين بدأ الإنسان يدوّن الاقتصاد والإدارة والذاكرة

١٠ مايو ٢٠٢٦

الكتابة في الأردن القديم: حين بدأ الإنسان يدوّن الاقتصاد والإدارة والذاكرة

( ملخص من محاضرة الكتابة في الأردن القديم - أ.د عمر الغول) إن تاريخ الكتابة في الأردن القديم لا يبدأ بفيض من النصوص، بل بشواهد قليلة لكنها عميقة الدلالة. فمن رقيم طيني في طبقة فحل، إلى رسائل موجهة للفرعون، إلى أختام ربما أدت وظيفة توثيقية، نرى أن الكتابة لم تكن مجرد تقنية، بل كانت جزءًا من علاقة الإنسان بالإدارة والاقتصاد والسلطة. وتبقى الفكرة الأبرز أن غياب النصوص لا يعني بالضرورة غياب التنظيم؛ فقد كانت المجتمعات القديمة تمتلك طرقًا متعددة لحفظ الحقوق وتسيير الحياة، بعضها مكتوب وبعضها قائم على العرف والثقة والشهادة.